ابن حزم

657

الاحكام

فيه ولا يكن خلافه ، وإنما يخفى علينا الحق في بعض الجزئيات ، مثل بناء حديثين بأعيانهما لا ندري أيهما الناسخ من المنسوخ ، ولسنا ننكر خفاء الحق علينا في بعض هذه المواضع ، وقد علم غيرنا بلا شك وجه الحق فيما خفي علينا كما علمناه نحن فيما خفي على غيرنا ، ومن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم وورود الأوامر منه علم اليقين فيما غاب عنا بلا شك . وقال بعضهم : قد يكون الانسان على مذهب يعضده ويقاتل عنه ، ويعتقد الحق فيه ثم ينتقل إلى غيره . قال أبو محمد : لو قال هذا من يبطل الحقائق لكان أشبه بقوله ، وهذا لا معنى له ، لان كل من كان على مذهب ثم تركه لآخر فإنه لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما البتة ، إما أن يكون على حق ثم دخلت عليه شبهة لم ينعم فيها النظر ، ولا تقصي البرهان على شرائطه ، فترك الحق للباطل ، وأخطأ في ذلك ، أو كان على مذهب لم يقم له على صحته برهان ، وإنما اعتقده بشبهة لم يتقص فيها طرائق البرهان فتركه لشبهة أخرى دخلت عليه ، فانتقل من باطل إلى مثله ، أو تركه لشئ يقوم عليه برهان صحيح ، فانتقل من باطل إلى حق فهو لا بد مغفل ضرورة ومخطئ بلا شك ، ومضرب عن طلب البرهان الصحيح ، إما أنه لم يبلغه ، وإما لأنه لم يتقصه ولا تأمله ، فلا بد له من الخطأ كما قلنا إما في اعتقاده الأول الذي انتقل عنه ، وإما في اعتقاده الثاني الذي انتقل إليه أو في كليهما . ونحن لم ننف الخطأ عن الناس بل أثبتناه ، وإنما نفينا التضاد على الحق ، وأن ينتقل من حق غير منسوخ إلى حق مضاد لذلك الحق الذي انتقل عنه ، فهذا هو المحال الذي لا سبيل إليه البتة . وقد بينا وجوه البراهين الصحاح الذي لا يصح شئ إلا بها ، والبرهان الذي لا يكون أبدا إلا صحيحا ، وبينا ما يظن أنه برهان وليس ببرهان في كتابنا الموسوم بالتقريب لحدود المنطق - وهو كتاب جليل المنفعة عظيم الفائدة ، لا غنى لطالب الحقائق عنه - فمن أحب أثلج ، وأن يقف على علم الحقائق فليقرأه . ثم ليقرأ كلامنا في وجوه المعارف من كتابنا الموسم بكتاب الفصل ، ثم ليقرأ كتابنا هذا فإنه يلوح له الحقائق دون إشكال ، وبالله تعالى التوفيق ، فإذا بطل كل ما شغبوا به بحمد الله ، فلنقل في إقامة البرهان على إبطال قولهم الفاسد وبالله تعالى نعتصم .